محمد سعيد رمضان البوطي
378
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
لعلك علمت مما ذكرناه آنفا ، أن ملاحقة قتلة عثمان بالقصاص ، لم يكن محل خلاف قط ، كل ما في الأمر أن عائشة وطلحة والزبير ومن معهم ، كانوا حريصين على أن يكون تنفيذ القصاص في حق أولئك القتلة ، أول الأعمال التي يفتتح بها عليّ رضي اللّه عنه خلافته وعهده . . أما عليّ فكان يرى ضرورة البدء بتوطيد الأمور وإعادة النظام ، ثم السعي إلى اقتناص قتلة عثمان والإحاطة بهم ، بطرق أكثر هدوءا ولباقة . وهذا الذي كان يراه عليّ رضي اللّه عنه ويحرص عليه ، هو الأساس الذي جنح إليه الطرف الآخر ، وتمّ بموجبه الصلح ، وقرر الجميع ، بمن فيهم عائشة وطلحة والزبير - بكل ثقة وطمأنينة - وضع الأمر بين يدي علي يعالجه بما يرى من الحكمة ، ما دام الكل متفقين على ضرورة ملاحقة القتلة وإنزال القصاص بهم . وعلى هذا الأساس اتفقت الأطراف على أن يتخلوا عن هذه المهمة التي حملوا أنفسهم مسؤولية إنجازها ، وقرروا الرجوع ، كلّ إلى داره وبلده . ثانيا - إذن ، فما الذي عاقهم عن تطبيق هذا الذي اتفقوا عليه ، وصدّهم عن المضيّ فيما قرروه من وضع الأمر بين يدي عليّ والتعاون معه في كل شيء ؟ لقد رأيت أن الذي عاقهم إنما هو الكيد الذي خطط له أبطال الفتنة ، وفي مقدمتهم ( ابن السوداء ) عبد اللّه بن سبأ ، فقد قرروا - وقد أفزعهم اتفاق المسلمين - أن يندسّوا بين الصفوف ، ثم يفاجؤوا الطرفين ، في غبش الظلام ، بالسيوف ينهالون بها عليهم على غير هدى ، لتزول الثقة وتندلع الفتنة فيما بينهما ، وليحسب كل طرف أن الطرف الآخر فاجأه بالمكيدة من وراء ستار الصلح والتظاهر به . وهذا ما قد تمّ بالضبط . ومثل هذا الكيد عمل سهل رخيص ، لا يتوقف على أكثر من طبيعة لئيمة ، وإنسانية ممسوخة متراجعة . ولكن ماذا كان يمكن أن يفعل أولئك الصحابة الذين صفت نفوسهم من كل مكيدة وزغل ، سوى أن يردوا عنهم تلك الهجمات المباغتة ، وما الذي يمكنهم أن يفهموه من تفسيرها سوى أنها غارة مبيتة خطط لها من الطرف الآخر ؟ . . ومع ذلك فقد رأيت أن الواحد منهم كان إذا تعرّف على من يواجهه ، كفّ كل منهما يده عن صاحبه وقابله بالاعتذار والندم . إذن ، فإن هذه الفتنة لم تنبعث من رعونة هيمنت على نفوس الصحابة رضوان اللّه عليهم ، سواء أكانوا من هذا الطرف أو ذاك ، وإنما انبعثت من دخلاء مدسوسين ، كانوا يمكرون ، بلؤم ، بحقّ الصحابة كلهم ، دون أي تفريق بين طرف وآخر . والعجيب ، بعد هذا ، أنك تقرأ كثيرا مما كتب عن هذه الفتنة ، فلا تجد شيئا منها ينبه إلى أصابع الفتنة هذه ويكشف عن دورها الخطير في كل هذا الذي قد حدث ؛ وإنما يتحدث الكل عن